الشيخ حسن المصطفوي
83
التحقيق في كلمات القرآن الكريم
والتحقيق أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة : هو حصول حالة الحيرة بنفسها من دون مقدّمة وسبب اختياريّ . وسبق في الحيرة إنّها تكون ملحوظة أوّلا في القلب ثمّ يظهر أثره في الجوارح ، وهي إنّما تحصل في نتيجة الشكّ والضلال . فالنظر في الحيرة إلى كونها مذمومة في أثر ضلال وانحراف . وفي السدرة إلى تحقّق هذه الحالة من دون اختيار ، فليس فيها مدح ولا ذمّ في نفسها . فيقال سدر بصره ، وهو سادر لا يدري ما يصنع . وهذا المعنى أنسب في المراحل الروحانيّة والمعنويّة ، كما في مقامات السكر والهيمان والصحو من مراحل السلوك . فالسدر في المراحل الباطنيّة : عبارة عن حصول حالة الهيمان للسالك في أثر الاستغراق في جاذبة النور واللطف والجمال . ثمّ إنّ لهذه الحقيقة مراتب : فأوّل مرتبة منها : إنّما تظهر بعد الموت عن المادّة اختيارا وهو الموت الأكبر ، حيث يتوجّه بعد إلى عالم الملكوت والنورانيّة والصفا ، ويسلك في مسير الروحانيّة . والمرتبة الثانية منها : إنّما تتجلَّى بعد الموت الأعظم وهو الموت عن النفس والأنانيّة ، حيث يتوجّه بعد إلى اللَّه العزيز خالصا ويستغرق في نور الجمال والجلال ، ويحصل له مقام الهيمان والسدر . والمرتبة الثالثة : السدرة النهائيّة ، وذلك إذا انتهى إلى المنتهى . * ( وَلَقَدْ رَآه ُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى ) * - 53 / 14 . أي عند نزول وتحقّق عند مقام هيمان وصحو مخصوص لمنتهى السلوك ومنتهى سير العبيد - هو المبدأ والمنتهى - وهناك الجنّة الَّتي في مقام المأوى المطلق للناس - واليه المرجع والمآب - وهي الجنّة الَّتي لا جنّة فوقها ، ويغشى تلك السدرة ما يغشاها من